علي بن أحمد المهائمي

626

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( قوله : وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ الحج : 5 ] ) ، وليست هذه الزوجية بالجودة والرداءة كما يقول أهل الظاهر ، إذ لا دليل يقوم على ذلك في كل ما يخرج من الأرض ، بل بما أشار إليه بقوله ، ( أي : إنها ما ولدت إلا من يشبهها ) ، أي : ما فيه بعض شبهها ، كالزوج مع الزوجة من الإنسان . ثم بيّن ذلك الشبه بقوله : ( أي : طبيعيا مثلها ) ؛ لأن الشبه في الجسمية الوجودية لا يمتد به ، فصار للأرض الشفعية بعد وتريتها ، والشفعية زوج ، ( فكانت الزوجية التي هي الشفعية لها ) ، أي : للأرض ( بما تولّد منها وظهر عنها ) ، إنما ذكره ليتوسل بذلك إلى شبه هذه الحياة بالحياة الإلهية التي لا يولد في شأنها ، وإنما يصور فيها الظهور ، وإليه الإشارة بقوله : ( كذلك ) ، أي : مثل ما حصل للأرض من الشفعية بعد وتريتها بما ظهر عنها من حياتها بالماء ، ( ووجود الحق كانت ) له الوترية في الأصل باعتبار اتحاد الصفات بالذات من غير نظر إلى العالم ، ثم كانت ( الكثرة له ) في الصفات ( وتعداد الأسماء ) لا باعتبار حدوث التغاير فيها بعد الاتحاد ، بل يصدق ( أنه كذا أو كذا ) أي : حي عالم ، مريد قادر ، سميع بصير متكلم ( بما ظهر عنه من العالم الذي ) شفع وتريته بهذه الأسماء والصفات ؛ لأنه الذي ( يطلب بنشأته حقائق الإلهية ) أي : معانيها وأرواحها ، فلابدّ من تصورها حينئذ هناك مع أن لها ألا تتميز عن الذات ، ( فثبت به ) أي : بالعالم ، ( وبخالقه أحدية الكثرة ) في الحق . ( وقد كان ) الحق قبل وجود العالم ( أحدي العين من حيث ذاته ) لا يحتاج فيه إلى اعتبار كثرة الصفات والأسماء ، فكأنه لم يكن فيه هذه الكثرة أصلا ، ثم مثل صيرورة الحق أحدي الكثرة بعد كونه أحدي العين بالهيولى والصور التي لا تتميز عنها في الوجود ، فقال : ( كالجوهر الهيولاني ) على مذهب القائلين به ، وهم الفلاسفة ( أحدي العين من حيث ذاته ) بحيث لا كثرة فيه أصلا بذلك الاعتبار ( كثير بالصور الظاهرة فيه ) ، ولكن لا تبطل أحديتها بالكلية ، بل يجعلها أحدية الكثرة ؛ لعدم تميزها عنها في الوجود . ( كذلك ) أي : مثل الجوهر الهيولاني ( الحق ) في صيرورة أحديته بالعين أحدية الكثرة ، لكن لا باعتبار لحوق الصور به ، بل ( بما ظهر منه صور التجلي ) ، وهي أجزاء العالم الطالبة بنشأتها حقائق الأسماء الإلهية بحيث تتصور في الحق ، ( فكان مجلى صور العالم ) ، وهي الأسماء الإلهية التي معانيها وأرواحها في العالم ، فظهرت كثرتها في الحق ( مع الأحدية المعقولة ) للذات عند ظهور هذه الكثرة فيها ، فصارت هذه الشفعية كشفعية الأرض بما ظهر عنها من حياتها بالماء ، فأشبهت إشراق الحياة الإلهية في الموجودات كالحياة العلمية ، حتى صار إلقاء التابوت في اليم إشارة إلى هذه الحياة العلمية . [ فانظر ما أحسن هذا التّعليم الإلهيّ الّذي خصّ اللّه بالاطلاع عليه من شاء من